محمد بن جرير الطبري

242

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

قال : فحبسوه في بيت ، وجمعوا له حطبا حتى أن كانت المرأة لتمرض فتقول : لئن عافاني الله لاجمعن حطبا لإبراهيم ، فلما جمعوا له وأكثروا من الحطب حتى أن كان الطير ليمر بها فيحترق من شده وهجها وحرها ، فعمدوا اليه فرفعوه على راس البنيان ، فرفع إبراهيم رأسه إلى السماء ، فقالت السماء والأرض والجبال والملائكة : ربنا ! إبراهيم يحرق فيك فقال : انا اعلم به ، فان دعاكم فاغيثوه وقال إبراهيم حين رفع رأسه إلى السماء : اللهم أنت الواحد في السماء وانا الواحد في الأرض ، ليس في الأرض أحد يعبدك غيرى ، حسبي الله ونعم الوكيل ! فقذفوه في النار ، فناداها فقال : « يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم » وكان جبرئيل هو الذي ناداها وقال ابن عباس : لو لم يتبع بردها سلاما لمات إبراهيم من بردها ، فلم تبق يومئذ نار في الأرض الا طفئت وظنت انها تعنى فلما طفئت النار نظروا إلى إبراهيم فإذا هو ورجل آخر معه ، وإذا راس إبراهيم في حجره يمسح عن وجهه العرق ، وذكر ان ذلك الرجل ملك الظل ، وانزل الله نارا وانتفع بها بنو آدم ، فأخرجوا إبراهيم ، فأدخلوه على الملك ، ولم يكن قبل ذلك دخل عليه ثم رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق . قال : وبعث الله عز وجل ملك الظل في صوره إبراهيم ، فقعد فيها إلى جنبه يؤنسه ، فمكث نمرود أياما لا يشك الا ان النار قد اكلت إبراهيم وفرغت منه ، ثم ركب فمر بها وهي تحرق ما جمعوا لها من الحطب ، فنظر إليها ، فرأى إبراهيم جالسا فيها إلى جنبه رجل مثله ، فرجع من مركبه ذلك ، فقال لقومه : لقد رايت إبراهيم حيا في النار ، ولقد شبه على ، ابنوا لي صرحا يشرف بي على النار حتى استثبت ، فبنوا له صرحا ، فأشرف عليه فاطلع منه إلى النار ، فرأى إبراهيم جالسا فيها ، ورأى الملك قاعدا إلى جنبه في مثل صورته ، فناداه نمرود : يا إبراهيم ، كبير الهك الذي بلغت قدرته وعزته ان حال بين ما أرى وبينك ، حتى لم تضرك يا إبراهيم ، هل تستطيع ان تخرج منها ؟